عبد الملك الجويني
34
الشامل في أصول الدين
عند معظم المتكلمين ، وسنوضح حقيقة القدم إن شاء اللّه . فهذه قسمة بديهية ، نعلم بضرورة العقل استحالة الزيادة عليها ، فإنها مستندة إلى نفي وإثبات ، وليس بين النفي والإثبات رتبة . ومحصول ما قلناه : إن الموجود إما أن يكون له أول ، وإما أن لا يكون له أول ، وهذا نعرفه اضطرارا . فإن قال قائل : قد ذهب عبد اللّه بن سعيد « 1 » إلى أن صفات الباري سبحانه وتعالى لا توصف بالقدم ولا بالحدوث ، وهذا تصريح منه بإثبات موجود خارج عن وصف الحدوث والقدم . قلنا : ما اعترض عبد اللّه على القسمة التي رمناها ، إذ مطلبنا إن الموجود له أول أو لا أول له . وعبد اللّه يقطع بأن صفات الباري لم تزل ، ولا أول لوجودها ، ولكنه امتنع من تسميتها قديمة ، إذ القدم عنده معنى قائم بالقديم ، كما أن البقاء معنى قائم بالباقي ، ولا توصف المعاني بالأحكام التي توجبها المعاني ، فاتضحت القسمة البديهية . واستبان أن قول عبد اللّه غير قادح فيها . ثم ما يقتضيه الترتيب : أن نبتدئ الكلام على الحوادث ، إذ القديم سبحانه وتعالى لا يعلم اضطرارا ، وإنما يتوصل إلى معرفته نظرا واستدلالا . وسبيل الاستدلال لا يتضح إلا بإحاطة بالحوادث ، فاقتضى ذلك البداية بالكلام عليها . فاعلموا : أن الحوادث تنقسم أيضا انقساما ضروريا ، ولا تخلو إما أن تكون ، مفتقرة إلى محل تحله ، وإما أن لا تكون مفتقرة إلى محل تحله . وهذه القسمة تستند إلى النفي والإثبات أيضا . ثم الحادث الذي لا يفتقر إلى المحل ، هو الجوهر في اصطلاح المتكلم ، والمفتقر إلى المحل : العرض . ومن ذلك قطع المتكلمون بأن الحوادث لا تخلو إما أن تكون جواهر أو تكون أعراضا . فإن قال قائل : فهل يوصف الرب بالاقتدار على إحداث ما يخرج عن القسمين ؟ قلنا : هذا سؤال عن محال . والرب قادر على كل ممكن . والذي رامه السائل بسؤاله من المستحيلات الخارجة عن قبيل المقدورات ، إذ الحادث إما أن يكون محتاجا أو غير محتاج ، وتقدير رتبة بينهما محال . فلو قال قائل : بم تنكرون على من لا يقدح في القسمة ، ولكنه يثبت حادثا غير مفتقر
--> ( 1 ) عبد اللّه بن سعيد بن كلّاب ، أبو محمد القطان ( . . . - 245 ه - . . . نحو 860 م ) . متكلم من العلماء . يقال له : ابن كلاب . قيل : لقب بها لأنه كان يجتذب الناس إلى معتقده إذا ناظر عليه كما يجتذب الكلاب الشيء . له كتب منها « الصفات » و « خلق الأفعال » و « الرد على المعتزلة » . الأعلام 4 / 90 ، وفضل الاعتزال 286 .